سيد قطب

2127

في ظلال القرآن

ويحكي السياق سوء أدبهم مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد جاءهم بالكتاب والقرآن المبين ، يوقظهم من الأمل الملهي ، ويذكّرهم بسنة اللّه ، فإذا هم يسخرون منه ويتوقحون : « وقالوا : يا أيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون . لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ! » . . وتبدو السخرية في ندائهم : « يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ » . . فهم ينكرون الوحي والرسالة ؛ ولكنهم يتهكمون على الرسول الكريم بهذا الذي يقولون . ويبدو سوء الأدب في وصفهم للرسول الأمين : « إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ » . . جزاء على دعوته لهم بالقرآن المبين . وهم يتمحكون فيطلبون الملائكة مصدقين : « لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ! » . وطلب نزول الملائكة يتكرر في هذه السورة وفي غيرها ، مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ومع غيره من الرسل قبله : وهو كما قلنا ظاهرة من ظواهر الجهل بقيمة هذا الكائن الإنساني الذي كرمه اللّه ، فجعل النبوة في جنسه ، ممثلة في أفراده المختارين . والرد على ذلك التهكم وتلك الوقاحة وهذا الجهل هو ذكر القاعدة التي تشهد بها مصارع السالفين : أن الملائكة لا تنزل على الرسول إلا لهلاك المكذبين من قومه حين ينتهي الأجل المعلوم ؛ وعندئذ فلا إمهال ولا تأجيل : « ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ » . . فهل هو ما يريدون وما يتطلبون ؟ ! ثم يردهم السياق إلى الهدى والتدبر . . إن اللّه لا ينزل الملائكة إلا بالحق ، ليحقوه وينفذوه . والحق عند التكذيب هو الهلاك . فهم يستحقونه فيحق عليهم . فهو حق تنزل به الملائكة لتنفذه بلا تأخير . وقد أراد اللّه لهم خيرا مما يريدون بأنفسهم ، فنزل لهم الذكر يتدبرونه ويهتدون به ، وهو خير لهم من تنزيل الملائكة بالحق الأخير ! لو كانوا يفقهون : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . . فخير لهم أن يقبلوا عليه . فهو باق محفوظ لا يندثر ولا يتبدل . ولا يلتبس بالباطل ولا يمسه التحريف وهو يقودهم إلى الحق برعاية اللّه وحفظه ، إن كانوا يريدون الحق ، وإن كانوا يطلبون الملائكة للتثبت . . إن اللّه لا يريد أن ينزل عليهم الملائكة ، لأنه أراد بهم الخير فنزل لهم الذكر المحفوظ ، لا ملائكة الهلاك والتدمير . وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد اللّه الحق بحفظ هذا الذكر ؛ فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب - إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة - ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونا محفوظا لا تتبدل فيه كلمة ،